الخطيب البغدادي
716
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )
أصحاب النيرنجات كانوا يغدون بإخراج التين ، وما يجرى مجراه من الفواكه فإذا حصل ذلك فِي يد الإنسان ، وأراد أن يأكله صار بعرا . وحضرت مجلس حامد ، وقد أحضر سفط خيار لطيف حمل من دار مُحَمَّد بن عَلِيّ القنائي ، أكبر ظني ، فتقدم بفتحه ففتح فإذا فيه قدر جافة خضر ، وقوارير فيها شيء يشبه لون الزئبق ، وكسر خبز جافة ، وكان السمري حاضرا جالسا بالقرب من أَبِي فعجب من تلك القدر ، وتصييرها فِي سفط مختوم ، ومن تلك القوارير ، وعندنا أنها أدهان ، ومن كسر الخبز ، وسأل أَبِي السمري ، عَنْ ذلك فدافعه عَنِ الجواب ، واستعفاه منه ، وألح عليه فِي السؤال فعرفه أن تلك القدر رجيع الحلاج ، وأنه يستشفي به ، وأن الذي فِي القوارير بوله ، فعرف حامد ما قاله فعجب منه وعجب من كَانَ فِي المجلس ، واتصل القول فِي الطعن عَلَى الحلاج ، وأقبل أَبِي يعيد ذكر تلك الكسر ، ويتعجب منها ، ومن احتفاظهم بها حتى غاظ السمري ذلك ، فَقَالَ لَهُ : هو ذا أسمع ما تقول ، وأرى تعجبك من هذه الكسر ، وهي بين يديك فكل منها ما شئت ، ثم انظر كيف يكون قلبك للحلاج بعد أكلك ما تأكله منها فتهيب أَبِي أن يأكلها ، وتخوف أن يكون فيها سم ، وأحضر حامد الحلاج ، وسأله عما كَانَ فِي السفط ، وعن احتفاظ أصحابه برجيعه وبوله ؟ فذكر أَنَّهُ شيء ما علم به ، ولا عرفه . وكان يتفق فِي كثير من الأيام جلوس الحلاج فِي مجلس حامد إِلَى جنبي فأسمعه يَقُولُ دائما : سبحانك لا إله إِلا أنت عملت سوءا ، وظلمت نفسي فاغفر لِي إِنَّهُ لا يغفر الذنوب إِلا أنت ، وكانت عليه مدرعة سوداء من صوف ، وكنت يوما ، وأبي بين يدي حامد ، ثم نهض عَنْ مجلسه ، وخرجنا إِلَى دار العامة ، وجلسنا فِي رواقها ، وحضر هَارُون بن عمران الجهبذ فجلس بين يدي أَبِي ،